منذ أن بدأ الإنسان يسأل عن نفسه، ظل سؤالٌ واحد يلاحقه:
من أنا؟ وإلى ماذا أنتمي؟ وما الذي يمنح حياتي المعنى والحرية والكرامة؟
ظهرت عبر التاريخ الحديث مدارس واتجاهات كبرى حاولت أن تجيب عن هذا السؤال؛ فجعلت
الليبرالية الحرية الفردية في مركز اهتمامها، وقرأت الماركسية الإنسان من خلال
العلاقات الاقتصادية والصراع الطبقي، وجعلت القومية الأمة والهوية محورًا للانتماء،
فيما وسّعت العولمة مجال التواصل والترابط بين العالم.
ولكل هذه الاتجاهات إسهامات وأسئلة مهمة، لكن يبقى سؤال أكبر:
هل يستطيع بُعدٌ واحد أن يفسّر الإنسان كله؟
فالإنسان ليس سوقًا فقط، ولا طبقةً، ولا قوميةً، ولا فردًا مستقلًا عن كل ما حوله.
إنه كائنٌ يجمع بين الفرد والجماعة، والمادة والروح، والحرية والمسؤولية، والحق
والواجب، والوطن والإنسانية.
وهنا يبدأ التصور الإسلامي من نقطة مختلفة:
الإنسان واحدٌ في أصل خلقه، وإن تعددت دوائر انتمائه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
الحجرات: 13.
فالقرآن لا يطلب من الإنسان أن يلغي وطنه أو قومه أو ثقافته؛ بل يعترف بالتنوع،
ويوجه وظيفته نحو التعارف لا التفاخر، والتكامل لا الإلغاء.
ثم يقول سبحانه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70].
فالكرامة الإنسانية في أصلها لا تتوقف على المال، ولا القوة، ولا الجنسية، ولا
المكانة.
ويعبّر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن هذا المعنى بقوله في عهده
إلى مالك الأشتر:
«فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي
الْخَلْقِ».
هنا لا تلغي الخصوصيةُ الإنسانيةَ، ولا يلغي الاختلافُ أصلَ الكرامة.
لكن ماذا عن الحرية؟
في التصور الإسلامي، الحرية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يستطيع، بل أن يتحرر من
عبودية ما سوى الله، وأن يعرف لِمَ يعيش، وما الذي ينبغي أن يفعله، وما الذي لا يحق
له أن يفعله.
لذلك لا تكون الأخلاق قيدًا على الحرية، بل جزءًا من معناها.
وكذلك لا يحتاج الإنسان إلى أن يختار بين وطنه وإنسانيته، أو خصوصيته وانفتاحه.
يمكنه أن ينتمي إلى أسرته ومجتمعه ووطنه وأمته، وأن يظل في الوقت نفسه جزءًا من
الإنسانية كلها.
فالمشكلة ليست في الانتماء، بل حين يتحول الانتماء إلى عصبية تستعبد الإنسان.
وليست المشكلة في الخصوصية، بل حين تتحول إلى انغلاق.
وليست المشكلة في الكونية، بل حين تتحول إلى ذوبان وفقدان للهوية.
ولهذا يمكن تلخيص الرؤية في عبارة واحدة:
وحدةٌ لا تلغي التعدد، وخصوصيةٌ لا تمنع الانفتاح، وحريةٌ لا تنفصل عن المسؤولية،
وانتماءٌ لا يهدم إنسانية الإنسان.
ويبقى
السؤال:
هل نريد عالمًا يوحّد البشر بإذابة اختلافاتهم، أم رؤيةً توحّدهم في الكرامة والعدل
والمعنى، مع بقاء اختلافهم مجالًا للتعارف والتكامل؟
